عبد القادر الجيلاني

83

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

المقالة التاسعة عشرة في الأمر بوفاء الوعد والنهي عن خلفه قال رضي اللّه عنه : إذا كنت ضعيف الإيمان واليقين ووعدت بوعد وف بوعدك ، ولا تحلف كيلا يزول إيمانك ويذهب يقينك ، وإذا قوي ذلك في قلبك وتمكنت خوطبت بقوله : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [ يوسف : الآية 54 ] وتكرر هذا الخطاب لك حالا بعد حال فكنت من الخواص بل من خواص الخواص ولم يبق لك إرادة ولا مطلب ، ولا عمل تعجب به ولا قربة تراها ، ولا منزلة تلمحها « فتسمو همتك إليها » ، فصرت كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع ، فلا يثبت فيك إرادة ولا خلق ولا همة إلى شيء من الأشياء دنيا وأخرى ، وطهرت مما سوى اللّه تعالى ، وأعطيت رضاك عن اللّه عزّ وجلّ ، ووعدت برضوانه عزّ وجلّ عنك ، ولذذت ونعمت بأفعال اللّه عزّ وجلّ أجمع ، فحينئذ توعد بوعد ، فإذا اطمأننت إليه ووجدت فيه أمارة إرادة ما نقلت عن ذلك الوعد إلى ما هو أعلى منه ، وصرفت إلى أشرف منه ، وعوضت عن الأول بالغنى عنه ، وفتحت لك أبواب المعارف والعلوم وأطلعت على غوامض الأمور وحقائق الحكمة والمصالح المدفونة في الانتقال من الأول إلى ما يليه ويزاد حينئذ في مكانتك في حفظ الحال ثم المقام ، وفي أمانتك في حفظ الأسرار وشرح الصدور وتنوير القلب وفصاحة اللسان والحكمة البالغة في إلقاء المحبة عليك ، فجعلت محبوب الخليقة أجمع الثقلين وما سواهما دنيا وأخرى . إذا صرت محبوب الحق عزّ وجلّ ، والخلق تابع للحق جل وعلا ، ومحبتهم مندرجة في محبته ، كما أن بغضهم يندرج في بغضه عزّ وجلّ . فإذا بلغت هذا المقام الذي ليس لك فيه إرادة شيء البتة جعلت لك إرادة شيء من الأشياء ، فإذا تحققت إرادتك لذلك الشيء أزيل الشيء وأعدم ، وصرفت عنه فلم تعطه في الدنيا ، وعوضت عنه في الأخرى بما يزيدك قربة وزلفى إلى العلي الأعلى ، وما تقربه عيناك في الفردوس الأعلى وجنة المأوى ، وإن كنت لم تطلب ذلك وتأمله وترجوه وأنت في دار الدنيا التي هي دار الفناء والتكاليف والعناء ، بل رجاؤك وأنت فيها وجه الذي خلق وبرأ ومنع وأعطى ، وبسط الأرض ورفع السماء إذ ذاك هو المراد والمطلوب والمنى ، وربما عوضت عن ذلك بما هو أدنى منه أو مثله في الدنيا بعد انكسار قلبك وبصرك ، حينئذ يصدك عن ذلك المطلوب والمراد ، وتحقيق العوض في الأخرى على ما ذكرنا وبينا ، واللّه سبحانه أعلم .